النووي
49
تهذيب الأسماء واللغات
محمد ، اتق اللّه واجتنب المعاصي ، فإنه سيكون لك شأن ، فقلت : نعم وكرامة ، فقال : إذا كان غدا تجيء ويجيء من يقرأ لك « الموطأ » ، فقلت : إني أقرؤه ظاهرا ، فغدوت إليه وابتدأت ، فكلما تهيبت مالكا وأردت أن أقطع أعجبته قراءتي ، وأغراني بقول : زد يا فتى ، حتى قرأته عليه في أيام يسيرة ، ثم أقمت بالمدينة إلى أن توفي مالك رضي اللّه عنه ، ثم ذكر خروجه إلى اليمن . وفي رواية : فقرأته عليه ، وربما قال لي في شيء قد مرّ : أعد حديث كذا ، فأعيده حفظا ، وكأنه أعجبه ، فقال : أنت يجب أن تكون قاضيا . وفي هذه الرواية : أتيته وأنا ابن ثلاث عشرة سنة . وقال شيخه سفيان بن عيينة ، وقد قرئ عليه حديث في الرقائق فغشي على الشافعي ، فقيل : قد مات الشافعي ، فقال سفيان : إن كان قد مات فقد مات أفضل أهل زمانه . وقال أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي : سمعت أبي وعمي يقولان : كان ابن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي ، وقال : سلوا هذا . وقال علي ابن المديني : كان الشافعي لمّا عرفته عند ابن عيينة ، وكان ابن عيينة يعظمه ويجلّه ، وفسر الشافعي عند ابن عيينة حديثا أشكل على سفيان ، فقال له سفيان : جزاك اللّه خيرا ، ما يجيئنا منك إلا ما نحب . وقال الحميدي صاحب سفيان : كان سفيان بن عيينة ، ومسلم بن خالد ، وسعيد بن سالم ، وعبد الحميد بن عبد العزيز ، وشيوخ مكة يصفون الشافعي ويعرفونه من صغره ، مقدّما عندهم بالذكاء والعقل والصيانة ، ويقولون : لم نعرف له صبوة . وقال الحميدي : سمعت مسلم بن خالد يقول للشافعي : قد واللّه آن لك أن تفتي ، والشافعي ابن خمس عشرة سنة . وقال يحيى بن سعيد القطان إمام المحدّثين في زمانه : أنا أدعو اللّه للشافعي في صلاتي من أربع سنين . وقال القطان حين عرض عليه كتاب « الرسالة » للشافعي : ما رأيت أعقل أو أفقه منه . وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي المقدّم في عصره في علمي الحديث والفقه حين جاءته « رسالة » الشافعي ، وكان طلب من الشافعي أن يصنف كتاب « الرسالة » ، فأثنى عليه ثناء جميلا ، وأعجب بالرسالة إعجابا كثيرا ، وقال : ما أصلي صلاة إلا أدعو للشافعي . وبعث أبو يوسف القاضي إلى الشافعي حين خرج من عند هارون الرشيد يقرئه السلام ، ويقول : صنّف الكتب ، فإنك أولى من يصنف في هذا الزمان . وقال أبو حسان الرازي : ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحدا من أهل العلم تعظيمه للشافعي رحمه اللّه . وقال أيوب بن سويد الرملي ، وهو أحد شيوخ الشافعي ومات قبل الشافعي بإحدى عشرة سنة : ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل الشافعي . وقال البويطي : قال يحيى بن حسان : ما رأيت مثل الشافعي . وكان شديد المحبة للشافعي ، قدم مصر ، وقال : إنما جئت لأسلّم على الشافعي . وقال محمد بن علي [ ابن ] المديني ، قال لي أبي : لا تترك حرفا للشافعي إلا اكتبه . وقال يحيى بن معين وقد سئل : عمن يكتب كتب الشافعي ؟ فقال : عن الربيع . وقال قتيبة بن سعيد : مات الثوريّ ومات الورع ، ومات الشافعي وماتت السنن ، ويموت أحمد ابن حنبل وتظهر البدع . وقال قتيبة : لو وصلتني كتب الشافعي لكتبتها ، ما رأت عيناي أكيس منها . وقال مصعب بن عبد اللّه الزبيري : ما رأيت أعلم بأيام الناس من الشافعي . وقال أحمد بن حنبل رحمه اللّه : إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر ، فأفت فيها بقول الشافعي . وقال أحمد أيضا : ما تكلم في العلم أقل